محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

43

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها * على أنها فيها عراة وجوّع أراها ، وإن كانت تحبّ ، كأنها * سحابة صيف عن قريب تقشع « 1 » فلا تستغرب وقوع أمثال هذا ، فإنه ما ظهر منها إلا ما هو مستحقّ وصفها وواجب نعتها من وجدان المكاره التي هي ذاتية لها . قال بعض الحكماء : « لولا أن الدنيا مبنية على المكاره لجعلت منفعة الأهليلج « 2 » في اللوزينج « 3 » » وسيأتي التنبيه على الحكمة في هذا عند قوله [ إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا لوجود الأكدار ] تزهيدا لك فيها . وفي بعض الحكايات المنقولة عن جعفر الصادق « 4 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له : وما ذاك ؟ قال : الراحة في الدنيا » . وفي معناه أنشدوا : تطلب الراحة في دار العناء * خاب من يطلب شيئا لا يكون وقال بعض البلغاء : « ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرّغ « 5 » على مزاحق الحيّات ومداب العقارب » . وقال ابن مسعود « 6 » رضي اللّه عنه : « الدنيا كلّها غموم فما كان منها في سرور فهو ربح » .

--> ( 1 ) انقشع السحاب : زال وانكشف . ( 2 ) الإهليلج : جنس شجر هندي ، من أنواعه ما يسمى الإهليلج الهندي في مصر ، والهندي الشعيري في الشام والأملج في شبه الجزيرة العربية تستعمل ثماره لتنظيف جهاز الهضم ( مع ) فارسية . ( 3 ) اللّوزينج : حلواء شبه القطائف تؤدم بدهن اللوز ( مع ) . ( 4 ) جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط ( 80 - 148 ه - 699 - 765 م ) الهاشمي القرشي ، أبو عبد اللّه الملقب بالصادق ، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية ، كان من أجلاء التابعين ، وله منزلة رفيعة في العلم . أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك ، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط ، له أخبار مع الخلفاء من بني العباس ، وكان جريئا عليهم صداعا بالحق . له « رسائل » مجموعة في كتاب . مولده ووفاته بالمدينة . ( الأعلام 2 / 126 ، وحلية الأولياء 3 / 192 ، ووفيات الأعيان 1 / 327 ، وتهذيب الكمال 3 / 418 ) . ( 5 ) تمرغ : تقلب . ( 6 ) عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ( توفي 32 ه - 653 م ) أبو عبد الرحمن ، صحابي من أكابرهم ، فضلا وعقلا وقربا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو من أهل مكة ، ومن السابقين إلى الإسلام وأول من من جهر بقراءة القرآن بمكة ، وكان خادم رسول اللّه الأمين وصاحب سره ورفيقه في حله وتر حاله وغزواته . ولي بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي فيها عن نحو ستين عاما . له ( 848 ) حديثا . ( الأعلام 4 / 137 ، وحلية الأولياء 1 / 124 ، وتهذيب الكمال 10 / 532 ) .